تخطى إلى المحتوى الرئيسي
سحر هيرابوليس – منبج في مذكرات الرحالة والمستشرقين الغربيين
التاريخ والآثار

سحر هيرابوليس – منبج في مذكرات الرحالة والمستشرقين الغربيين

فافواز العباس١٤ فبراير ٢٠٢٦2 دقائق قراءة

منذ عصر النهضة الأوروبية وحتى مطلع القرن العشرين، كانت منبج "الهدف الأسمى" للرحالة والمستشرقين والباحثين عن الآثار. بالنسبة لهم، لم تكن منبج مجرد مدينة سورية، بل كانت "المدينة المقدسة" (Hierapolis) التي ذكرتها النصوص الكلاسيكية لليونان والرومان. لقد جاء هؤلاء الرحالة محملين بالكتب التاريخية، ليجدوا أمامهم مدينة تجمع بين عظمة الأطلال الرومانية وحيوية الحياة الشرقية الأصيلة، فسجلوا في مذكراتهم ورسوماتهم أدق التفاصيل التي حفظت لنا صورة منبج كما كانت قبل مئة عام وأكثر

سحر "هيرابوليس" – منبج في مذكرات الرحالة والمستشرقين الغربيين

منذ عصر النهضة الأوروبية وحتى مطلع القرن العشرين، كانت منبج "الهدف الأسمى" للرحالة والمستشرقين والباحثين عن الآثار. بالنسبة لهم، لم تكن منبج مجرد مدينة سورية، بل كانت "المدينة المقدسة" (Hierapolis) التي ذكرتها النصوص الكلاسيكية لليونان والرومان. لقد جاء هؤلاء الرحالة محملين بالكتب التاريخية، ليجدوا أمامهم مدينة تجمع بين عظمة الأطلال الرومانية وحيوية الحياة الشرقية الأصيلة، فسجلوا في مذكراتهم ورسوماتهم أدق التفاصيل التي حفظت لنا صورة منبج كما كانت قبل مئة عام وأكثر.

أولاً: اللورد "بوجوك" (Richard Pococke) – اكتشاف الأطلال العظيمة

يُعد الرحالة الإنجليزي ريتشارد بوجوك من أوائل الذين زاروا منبج في القرن الثامن عشر (عام 1737)، وقد قدم وصفاً هندسياً مذهلاً للمدينة:

  • عظمة الأسوار: ذُهل بوجوك بضخامة الحجارة المستخدمة في بناء أسوار منبج، ووصف الأبراج التي كانت لا تزال قائمة، مشبهاً إياها بأسوار المدن الكبرى في أوروبا التاريخية.

  • البحيرة المقدسة: كان بوجوك من أوائل الذين حاولوا تحديد موقع "البحيرة المقدسة" ومعبد أتارجاتيس، واصفاً المنخفضات الأرضية والقنوات المائية بدقة، مؤكداً أن تحت كل شبر من منبج يربض كنز أثري.

ثانياً: غيرترود بيل (Gertrude Bell) – "خاتون" بريطانيا في أزقة منبج

زارت "غيرترود بيل" (المستشرقة والمستشارة البريطانية الشهيرة) منبج في مطلع القرن العشرين، وتركت لنا أرشيفاً من الصور والملاحظات التي لا تقدر بثمن:

  • التنوع الاجتماعي: لفت نظر "بيل" التواجد الشركسي الحديث في منبج آنذاك، وكيف أعادوا بناء المدينة وسط الأطلال. وصفت منبج بأنها "مركز تجاري نابض"، وأعجبت بتنظيم الأسواق والبيوت الحجرية الجديدة التي بدأت تظهر بجانب الأعمدة الرومانية.

  • التوثيق البصري: التقطت بيل صوراً فوتوغرافية لبوابات منبج ومنحوتاتها، وهي الصور التي يعتمد عليها علماء الآثار اليوم لفهم شكل المدينة قبل التوسع العمراني الحديث.

ثالثاً: الرحالة "هوجارث" (D.G. Hogarth) – البحث عن الجذور القديمة

قام عالم الآثار والرحالة ديفيد هوجارث بدراسة منبج دراسة علمية دقيقة في أواخر القرن التاسع عشر:

  • هيرابوليس الضائعة: كتب هوجارث بشغف عن هوية منبج الدينية، واصفاً إياها بأنها كانت "فاتيكان" العالم القديم في المشرق. ركز في كتاباته على "المنحوتات البازلتية" التي وجدها منتشرة في المدينة، والتي تعود للحقب الحثية والآرامية، مؤكداً أن تاريخ منبج أعمق بكثير من الحقبة الرومانية.

  • وصف المناخ والماء: وصف هوجارث هواء منبج بـ "النقي والجاف"، وتحدث عن إعجابه بنظام الري الجوفي الذي رآه معجزة هندسية صمدت لآلاف السنين.

رابعاً: الباحثون الفرنسيون (فومار وبيريه) – توثيق الفن والعمارة

خلال فترة الانتداب الفرنسي وما قبلها، زار منبج باحثون متخصصون في تاريخ الفن، مثل "هنري سيريج" و"فومار":

  1. الفسيفساء: سجل هؤلاء الباحثون اكتشاف لوحات فسيفسائية مذهلة في منبج، واصفين إياها بأنها تضاهي بجمالها ودقتها فسيفساء "أنطاكية" و"أفاميا".

  2. التماثيل والآلهة: تمكنوا من العثور على تماثيل ونقوش تمثل آلهة منبج القديمة، ونشروا أبحاثاً في باريس جعلت من اسم "منبج" مرادفاً للرقي الفني في العصور الكلاسيكية.

خامساً: الانطباع العام – منبج كـ "واحة للتعايش"

القاسم المشترك في مذكرات معظم هؤلاء الرحالة الغربيين كان إعجابهم بـ:

  • الأمان والضيافة: رغم الاضطرابات التي كانت تشهدها المنطقة، سجل الرحالة أن "أهل منبج" كانوا من أكثر الناس ترحيباً بالغرباء، ووصفوا "المضافات" المنبجية بأنها كانت مدارس للأدب وحسن المعاملة.

  • الجمال الطبيعي: وصفوا منبج بأنها "جزيرة خضراء" تحيط بها السهول الجافة، وهو التباين الذي أضفى على المدينة سحراً خاصاً جعل كل من يزورها يتمنى العودة إليها.

مقالات ذات صلة